يرى الكاتب جيتاهون تسيجاي أن مصر تواجه تحولات إقليمية تقلّص قدرتها على توظيف نفوذها العربي التقليدي في خدمة مصالحها الاستراتيجية، وهو ما يفتح أمام إثيوبيا فرصًا أوسع للتحرك في ملفات حوض النيل والقرن الأفريقي والبحر الأحمر. ويؤكد أن القاهرة ما زالت تمتلك أدوات قوة مهمة تشمل قناة السويس والقدرات العسكرية والخبرة الدبلوماسية والعلاقات الإقليمية والدولية، إلا أن فاعلية هذه الأدوات لم تعد كما كانت خلال مرحلة القومية العربية.


وأشار معهد الشؤون الخارجية الإثيوبي إلى أن التحول الأبرز لا يتمثل في تراجع بعض عناصر القوة المصرية فحسب، بل في فقدان القاهرة للخطاب السياسي الذي مكّنها لعقود من تحويل قضاياها الوطنية إلى قضايا عربية جامعة. وبحسب رؤية المقال، وفّرت القومية العربية لمصر عمقًا استراتيجيًا ساعدها على حشد التأييد الإقليمي حول ملفات مثل أمن النيل والعلاقات مع دول المنبع.


تآكل أدوات النفوذ التقليدية


اعتمدت مصر تاريخيًا على قدرتها في تقديم مصالحها باعتبارها جزءًا من الأمن العربي الأوسع، وهو ما منحها نفوذًا يفوق حدود قوتها المباشرة. لكن الكاتب يرى أن هذا الواقع تغيّر تدريجيًا عقب معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية، ثم حرب الخليج، وصولًا إلى التحولات التي شهدها العالم العربي بعد عام 2011.


وأدت هذه المتغيرات إلى صعود أولويات جديدة لدى العديد من الدول العربية، ركزت على الأمن الداخلي والاستقرار الاقتصادي والمصالح الوطنية الضيقة أكثر من التركيز على مشاريع العمل العربي المشترك. كما عززت دول مثل السعودية والإمارات وقطر حضورها المالي والدبلوماسي والإعلامي، وأصبحت سياساتها في القرن الأفريقي مرتبطة بمصالح مستقلة تشمل الموانئ والطاقة والأمن الغذائي والاستثمارات، وليس فقط بدعم الموقف المصري في قضية النيل.


سد النهضة والبحر الأحمر.. معادلة جديدة


يعتبر المقال أن قضية سد النهضة الإثيوبي أبرز دليل على تغير موازين التأثير الإقليمي. فرغم الدعم السياسي الذي حصلت عليه مصر والسودان داخل جامعة الدول العربية، أكملت إثيوبيا مشروع السد وافتتحته خلال عام 2025، ما رسخ واقعًا جديدًا في حوض النيل وأظهر محدودية تأثير المواقف الدبلوماسية العربية وحدها في وقف المشروع.


ويرى الكاتب أن هذا التطور يعكس تحولًا أعمق في ميزان القوى، إذ لم تعد إثيوبيا تواجه جبهة عربية موحدة كما كان الحال في فترات سابقة، بل تتعامل مع شبكة معقدة من الفاعلين الإقليميين والدوليين الذين تختلف أولوياتهم ومصالحهم.


وينسحب الأمر نفسه على ملف البحر الأحمر، حيث تدافع مصر عن مقاربة تمنح الدول الساحلية الدور الرئيسي في إدارة أمن الممر البحري، بينما تطرح إثيوبيا رؤية تستند إلى تأثير البحر الأحمر المباشر على تجارتها وأمنها الغذائي واحتياجاتها التنموية، رغم كونها دولة غير ساحلية.


الفرصة الإثيوبية وحدود التحدي المصري


يشير المقال إلى أن أزمة البحر الأحمر وتراجع إيرادات قناة السويس خلال الأعوام الأخيرة أظهرت أن السيطرة على القناة لا تعني السيطرة الكاملة على منظومة الملاحة الإقليمية. كما كشفت التطورات الأخيرة حجم الترابط بين أمن البحر الأحمر ومصالح أطراف متعددة تتجاوز الدول الساحلية التقليدية.


ومن هذا المنطلق، يرى الكاتب أن إثيوبيا تمتلك فرصة لتعزيز حضورها الإقليمي عبر توسيع شراكاتها مع الدول الخليجية والقوى الأفريقية وتركيا والصين والدول الغربية، مع تقديم نفسها بوصفها سوقًا أفريقية كبرى وشريكًا في مجالات الطاقة والتجارة والخدمات اللوجستية.


ويخلص المقال إلى أن التحدي الحقيقي أمام مصر يتمثل في التكيف مع بيئة إقليمية لم تعد تستجيب للمعادلات القديمة، بينما تكمن الفرصة أمام إثيوبيا في تحويل هامش الحركة الجديد إلى نفوذ مؤسسي طويل الأمد قائم على التعاون الإقليمي والمصالح المشتركة. ويرجح الكاتب أن يتحدد شكل التوازن المستقبلي وفق قدرة كل طرف على التكيف مع التحولات الجارية، سواء عبر بناء توافقات جديدة أو عبر تطوير أدوات نفوذ تتناسب مع واقع المنطقة المتغير.
 

https://www.ifa.gov.et/2026/06/03/egypts-weakening-arab-leverage-and-ethiopias-strategic-opening/